الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

278

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العبرة كالذي في قوله آنفا فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ [ الزخرف : 56 ] . وفي قوله : لِبَنِي إِسْرائِيلَ إشارة إلى أن عيسى لم يبعث إلا إلى بني إسرائيل وأنه لم يدع غير بني إسرائيل إلى اتّباع دينه ، ومن اتبعوه من غير بني إسرائيل في عصور الكفر والشرك فإنما تقلدوا دعوته لأنها تنقذهم من ظلمات الشرك والوثنية والتعطيل . [ 60 ] [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 60 ] وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ ( 60 ) لما أشارت الآية السابقة إلى إبطال ضلالة الذين زعموا عيسى عليه السلام ابنا للّه تعالى ، من قصره على كونه عبدا للّه أنعم اللّه عليه بالرسالة وأنه عبرة لبني إسرائيل عقب ذلك بإبطال ما يماثل تلك الضلالة ، وهي ضلالة بعض المشركين في ادعاء بنوة الملائكة للّه تعالى المتقدم حكايتها في قوله : وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً [ الزخرف : 15 ] الآيات فأشير إلى أن الملائكة عباد للّه تعالى جعل مكانهم العوالم العليا ، وأنه لو شاء لجعلهم من سكان الأرض بدلا عن الناس ، أي أن كونهم من أهل العوالم العليا لم يكن واجبا لهم بالذات وما هو إلا وضع بجعل من اللّه تعالى كما جعل للأرض سكانا ، ولو شاء اللّه لعكس فجعل الملائكة في الأرض بدلا عن الناس ، فليس تشريف اللّه إياهم بسكنى العوالم العليا بموجب بنوتهم للّه ولا بمقتض لهم إلهية ، كما لم يكن تشريف عيسى بنعمة الرسالة ولا تمييزه بالتكوّن من دون أب مقتضيا له إلهية وإنما هو بجعل اللّه وخلقه . وجعل شرط لَوْ فعلا مستقبلا للدلالة على أن هذه المشيئة لم تزل ممكنة بأن يعوّض للملائكة سكنى الأرض . ومعنى ( من ) في قوله : مِنْكُمْ البدلية والعوض كالتي في قوله تعالى : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] . والمجرور متعلق ب ( جعلنا ) ، وقدّم على مفعول الفعل للاهتمام بمعنى هذه البدلية لتتعمق أفهام السامعين في تدبرها . وجملة فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ بيان لمضمون شبه الجملة إلى قوله : مِنْكُمْ وحذف مفعول يَخْلُفُونَ لدلالة مِنْكُمْ عليه ، وتقديم هذا المجرور للاهتمام بما هو أدل على كون الجملة بيانا لمضمون مِنْكُمْ . وهذا هو الوجه في معنى الآية وعليه درج المحققون . ومحاولة صاحب « الكشاف » حمل مِنْكُمْ على معنى الابتدائية والاتصال لا يلاقي سياق الآيات .